تراث وتسوق 1 يناير 2026

سوق المباركية: قلب الكويت الذي لا يشيخ

أكثر من 200 عام من التجارة والحكايات، حيث تمتزج روائح البخور بأصوات الباعة لتنقلك إلى أجواء الماضي الجميل.

ت
فريق التحرير
توب اتراكشنز الكويت
سوق المباركية

إذا أردت أن تشم رائحة الكويت الحقيقية، وأن تلمس روحها الأصيلة، فعليك بالتوجه فوراً إلى سوق المباركية. إنه ليس مجرد سوق لبيع البضائع، بل هو متحف حي ينبض بالتاريخ والذكريات. سمي بهذا الاسم نسبة إلى الشيخ مبارك الصباح، وقد كان المركز التجاري الرئيسي للكويت قبل اكتشاف النفط، حيث كان التجار يجلبون بضائعهم من الهند وأفريقيا والعراق لبيعها هنا. ورغم مرور الزمن وانتشار المولات الحديثة المكيفة، يظل للمباركية سحر خاص لا يضاهيه أي مكان آخر، خاصة في ليالي الشتاء والربيع.

الأجواء والعمارة: بساطة تأسر القلوب

بمجرد دخولك منطقة السوق، ستلاحظ اختلاف الإيقاع. الأرضيات مرصوفة بالبلاط الصخري، والأسقف مصنوعة من خشب "الندل" و"الجندل" وسعف النخيل لتوفر الظل والتهوية الطبيعية. المحلات التجارية صغيرة ومتلاصقة، وأبوابها خشبية قديمة. في كل زاوية، تفوح روائح البهارات الهندية، والبخور الكمبودي، والقهوة العربية المحمصة. إنه مكان يضج بالحياة، حيث تختلط أصوات الباعة بلهجات الزوار من جميع أنحاء العالم.

أقسام السوق: متاهة من الكنوز

ينقسم سوق المباركية إلى عدة أسواق فرعية، يتميز كل منها بنوع معين من البضائع:

  • سوق الغربللي: أقدم جزء في السوق، ويشتهر ببيع "البشوت" (العباءات الرجالية الفاخرة) والملابس التقليدية والإكسسوارات. سقفه المقوس المفتوح جزئياً هو معلم معماري بحد ذاته.
  • سوق التمور: جنة لعشاق التمور. ستجد هنا أجود أنواع التمور من السعودية والعراق والكويت، محشوة بالمكسرات أو مغطاة بالشوكولاتة.
  • سوق العطور والبخور: المكان الأمثل لشراء دهن العود الأصلي، المسك، والعنبر. يمكنك أيضاً طلب خلطات عطرية خاصة يتم تحضيرها أمام عينيك.
  • سوق الذهب: يقع بمحاذاة المباركية، ويضم مئات المحلات التي تبيع المشغولات الذهبية بتصاميم خليجية وهندية معقدة وثقيلة الوزن، بالإضافة إلى الألماس والأحجار الكريمة.

شارع المطاعم (سومو): نكهة الكرم الكويتي

لا تكتمل الزيارة دون تذوق الطعام. يضم السوق ساحة مفتوحة كبيرة (تسمى الآن منطقة SOMU - South Mubarakiya) ومطاعم شعبية عريقة. هنا، الجلوس يكون غالباً في الهواء الطلق على كراسي خشبية بسيطة. القائمة تشمل المشويات الإيرانية (كباب، تكة)، الأسماك الطازجة (زبيدي، هامور) التي تختارها بنفسك ويتم شويها فوراً في "مسقفة السمك"، والمأكولات الكويتية المنزلية.

توصية خاصة: لا تفوت زيارة مقهى "دلق سهيل" لتناول "شاي لومي" (شاي بالليمون الأسود) أو "حليب مهيل" مع قرص عقيلي، والاستمتاع بمشاهدة المارة.

إعادة الإعمار والوجه الجديد 2026

بعد الحريق المؤسف الذي طال أجزاء من السوق قبل عدة سنوات، تم إعادة إعمار المناطق المتضررة بالكامل. حرصت الجهات المعنية على استخدام نفس المواد التقليدية والحفاظ على الطابع المعماري الأصلي، مع إضافة أنظمة سلامة وإطفاء متطورة جداً لضمان عدم تكرار المأساة. اليوم، يبدو السوق في أبهى حلته، نظيفاً ومنظماً، ولكنه لا يزال يحتفظ بروحه القديمة المحببة. كما تم إضافة مواقف سيارات ذكية متعددة الطوابق قريبة لتسهيل وصول الزوار.

نصائح للتسوق الذكي

  • المساومة: المساومة (المكاسرة) في السعر هي جزء من ثقافة السوق، خاصة في محلات الأقمشة والتحف. لا تتردد في طلب خصم.
  • النقد (الكاش): رغم أن معظم المحلات تقبل البطاقات، إلا أن الدفع نقداً قد يمنحك سعراً أفضل في بعض الأحيان، خاصة للمبالغ الصغيرة.
  • أفضل وقت: الفترة المسائية (بعد صلاة المغرب) هي الأكثر حيوية وازدحاماً. إذا كنت تفضل الهدوء والتصوير، تعال في الصباح الباكر، لكن بعض المحلات قد تكون مغلقة وقت الظهيرة (1-4 مساءً).

سوق المباركية هو المكان الذي يجمع كل الكويتيين، باختلاف أجيالهم وخلفياتهم، وهو المكان الذي يشعر فيه الغريب بأنه في وطنه، محاطاً بدفء الضيافة والابتسامات الصادقة.