مقدسات وعمارة 1 يناير 2026

المسجد الكبير: تحفة العمارة الإسلامية في قلب الكويت

جولة روحانية في أكبر مساجد الدولة، حيث تتلاقى فنون النقش الأندلسي مع الخط العربي الأصيل في رحاب السكينة.

ت
فريق التحرير
توب اتراكشنز الكويت
المسجد الكبير - الكويت

في قلب العاصمة الكويت، وعلى مقربة من قصر السيف العامر وشاطئ الخليج العربي، يرتفع صرح إيماني شامخ يخطف الأبصار بهيبته وجماله. إنه المسجد الكبير، الذي يعد أكبر مسجد في دولة الكويت وأحد أبرز المعالم الإسلامية في المنطقة. تم افتتاح المسجد في عام 1986، ومنذ ذلك الحين وهو المنارة الروحية للدولة، حيث تقام فيه صلوات الأعياد، ويؤمه عشرات الآلاف في ليالي القدر المباركة.

يمتد المسجد على مساحة شاسعة تبلغ 45,000 متر مربع، ويتسع لأكثر من 10,000 مصلٍ في القاعة الرئيسية، وتصل طاقته الاستيعابية الإجمالية مع الساحات الخارجية إلى أكثر من 170,000 مصلٍ. إنه ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو مركز ثقافي وتعليمي يعكس الوجه المشرق للحضارة الإسلامية السمحة.

الروعة المعمارية: مزيج الأندلس والشرق

صمم المسجد الكبير المعماري الشهير الدكتور محمد مكية، ونفذ التصميم الداخلي الفنان والخطاط هاشم البغدادي. يتميز التصميم بالطابع الأندلسي الغني بالزخارف الهندسية والنباتية، ممزوجاً بلمسات من الطراز العربي التقليدي والخليجي. استخدام الحجر الطبيعي والرخام والجبس المغربي في البناء أعطى المسجد طابعاً من الفخامة والبساطة في آن واحد. المآذن الشاهقة، التي يبلغ ارتفاعها 72 متراً، والمستوحاة من المآذن الأندلسية المربعة، تقف كحارسين أمينين للمسجد، يمكن رؤيتهما من مسافات بعيدة في العاصمة.

المصلى الرئيسي والقبة الهائلة

عند دخولك إلى المصلى الرئيسي، ستشعر بصغر حجمك أمام عظمة المكان. تتجه الأنظار فوراً إلى الأعلى نحو القبة المركزية الضخمة التي تعد من أكبر القباب في العالم، بارتفاع يصل إلى 43 متراً وقطر 26 متراً. هذه القبة لا ترتكز على أعمدة داخلية، مما يوفر مساحة مفتوحة واسعة للمصلين دون أي عوائق بصرية. القبة مزينة من الداخل بأسماء الله الحسنى المنقوشة بماء الذهب والزجاج الملون، مما يخلق تلاعباً ساحراً للضوء أثناء النهار.

هل تعلم؟ المحراب الرئيسي في المسجد مكسو بالفسيفساء المغربية (الزليج) والرخام الإيطالي والسيراميك الأصفهاني، وتتدلى فوقه قبة صغيرة مزينة بالخط العربي البديع.

الأرضية مغطاة بسجادة فاخرة تم نسيجها يدوياً وعمل عليها مئات الحرفيين المهرة. وتتدلى من السقف ثريات كريستالية ضخمة تم تصميمها خصيصاً للمسجد لتتناغم مع النقوش الجبسية المحيطة بها.

القاعة الأميرية: قمة في الفخامة والرقي

يضم المسجد قاعة خاصة لاستقبال سمو الأمير وكبار ضيوف الدولة. هذه القاعة، التي لا تُفتح دائماً للجمهور، تعد متحفاً فنياً بحد ذاتها. تتميز بسقفها الخشبي المزخرف بشكل معقد جداً (المقرنصات)، والمطعم بالذهب الخالص. الجدران مكسوة بألواح من الخشب المحفور يدوياً وآيات قرآنية بخط الثلث الجميل. تعكس هذه القاعة أقصى درجات الإتقان في الحرف اليدوية الإسلامية.

فنون الخط والزخرفة

يعتبر المسجد الكبير معرضاً حياً لفنون الخط العربي. جدران المسجد وأبوابه وقبابه مزينة بنصوص قرآنية مكتوبة بخطوط متنوعة مثل الكوفي، الثلث، والديواني. تم تنفيذ هذه الخطوط بدقة متناهية، بحيث تتداخل الحروف وتتعانق لتشكل لوحات فنية بصرية. الزخارف الجبسية (الأرابيسك) التي تغطي الجدران نفذت بواسطة حرفيين مهرة استقدموا خصيصاً من المغرب ومصر، وهي تتميز بدقتها وتناظرها الهندسي البديع.

أجواء رمضان 2026

في شهر رمضان المبارك، يتحول المسجد الكبير إلى خلية نحل. إنه المركز الرئيسي لصلاة القيام في العشر الأواخر من الشهر الفضيل. يتم تجهيز الساحات الخارجية بخيام مكيفة وسجاد لاستيعاب الحشود الغفيرة التي تتوافد من كل حدب وصوب للصلاة خلف قراء الكويت المتميزين بأصواتهم الشجية. توفر إدارة المسجد خدمات متكاملة للمصلين، من مواقف سيارات ونقل ترددي ووجبات سحور ومشروبات، مما يجعل تجربة الصلاة ميسرة وروحانية بامتياز.

آداب الزيارة والجولات السياحية

يرحب المسجد الكبير بالزوار من غير المسلمين الراغبين في التعرف على الثقافة الإسلامية والعمارة، وذلك من خلال جولات سياحية منظمة ومجانية.

  • أوقات الزيارة: من الأحد إلى الخميس، فترتين صباحية (9:00 - 11:00) ومسائية (5:00 - 7:00). يجب الحجز مسبقاً للجولات الجماعية.
  • اللباس: يجب الالتزام باللباس المحتشم. يوفر المسجد عباءات نسائية ("بشت") للزائرات لتغطية الشعر والجسم احتراماً لقدسية المكان.
  • التصوير: مسموح بالتصوير داخل المسجد، ولكن يمنع استخدام "الترايبود" أو المعدات الاحترافية دون إذن مسبق.
  • المرشدون: يرافق الزوار مرشدون كويتيون يتحدثون عدة لغات، ويقدمون شرحاً وافياً عن تاريخ المسجد وفلسفته المعمارية ومبادئ الإسلام السمحة.

زيارة المسجد الكبير هي فرصة للتأمل والهدوء النفسي، وتجربة ثقافية غنية تترك أثراً طيباً في النفس.